أحمد بن محمد ابن عربشاه
358
فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء
وإنما أوردت هذه القضية ؛ ليقف سامعها على مقدار الهمة العلية فلا يرضى الملك الهمام بالمنزلة الدنية ، ولا يقنع بالدرجة الوطية ، بل يجتهد في تكثير الجند والرعية ، وفتح الأقاليم العربية والعجمية ، ولا يقتصر على الحالة السوية ؛ وإنما يلازم طلب الارتقاء بكرة وعشية ، ويكون سعيه كالشكر يطلب المزيد ، وكما يستديم طلب الزيادة من مولاه يستديم زيادة العبيد ، وإلا فينسب إلى قصور الهمة وإفلاس الذمة ، ونقصان الحرمة وبطلان الحشمة ، وأعظم بها من وصمة ، وبالعجز والتقصير يضيع حقوق الملك الخطير ، وتجد الرعية للطعن مقالا وفي ميدان الإعراض عن الملك مجالا ، وهذا خلاف موضع الإمامة وعكس ما تقتضيه الرئاسة والزعامة ، فإن موضوع السلطنة أن يتعاطى الملك مهما أمكنه ، من أسباب الفتح والفتوح ، وما يشتمل به من الرعية القلب والروح ، وذلك بالإحسان والإكرام والبذل والإنعام فبه تقوى رغبتها ، وتزداد محبتها ، فإذا لم يكن ذلك فلّ « 1 » المملوك عن المالك واسمع قول الأديب ذي الرأي المصيب وهو : إذا أهملت أمر العبد يوما * وقصّرت العليق عن الحمار توقف في المسير أبو زياد * وقام العبد يجرى للفرار وقيل : والدّرّ يقطعه جفاء الحالب وقال أشرف جنس الإنسان : « علو الهمة من الإنسان » « 2 » . فالرأي السديد عندي والذي بلغ إليه جهدي ، إنفاذ هذه العزيمة وسلوك طريقها القويمة ، وإبرازها من مكان القول إلى ظواهر العمل والحوّل ، والاعتماد على ما قيل :
--> ( 1 ) أي خرجت من تحت أيديهم . ( 2 ) الحديث تقدم .